مازال كتاب الرقائق لمحمد أحمد الراشد يتصدر قائمة الأكثر كتب تأثيراً في حياتي … ولي معه قصة …
بدأت علاقتي مع المطالعة تزداد وتتوطد منذ ما يقارب العشر سنين ..فمذ ذلك الوقت عرفت طعم أن أتذوق كتاباً لساعات دون ملل أو كلل.. وكانت مع كتب الشيخ عائض القرني حفظه الله .. مع “لا تحزن” و “حدائق ذات بهجة” و “جاءت سكرت الموت بالحق”.. كنت أقضي الساعات الطوال في متعة و سعادة مع هذه العلاقة الجديدة التي بدأت تغزو حياتي حتى فرضت سيطرتها الكاملة على وقتي وتفكيري - ولا ندم - . كنت خلال قراءتي أتصيد أسماء الكتب والمراجع التي يذكرها الكاتب لأسجلها عندي في قائمة الكتب التي أريد أن أضيفها إلي رصيدي المعرفي .. وكان مما يتكرر ذكره بكثره في كتب الشيخ عائض القرني كتاب الرقائق للبخاري .. ! حتى أصبح هذا الكتاب من أهم الكتب التي أرغب بإقتناءها …! - ولم أكن أعرف حينها أن كتاب الرقائق للبخاري يقصد به باب الرقائق من سلسلة ضخمة لصحيح البخاري تتكون من أكثر من كتاب - ! .. فبدأت أبحث عن كتاب الرقائق للبخاري .. وكنت قد طلبت من أختي أن تبحث لي في أحد المكتبات عن الكتاب .. فعندما وصلت إلي المكتبة وسألت البائع عن الكتاب ..أجابها أنه لا يوجد لديهم كتاب بهذا الإسم .. اتصلت بي تبلغني أن الكتاب غير موجود .. فطلبت أن أتحدث مع البائع بنفسي .. سألته : متأكد إن كان من عدم توفر الكتاب؟ .. فأكد لي بأنه ليس لديهم كتاب بهذا الإسم ولكن لديه كتاب باسم الرقائق ولكن لكاتب آخر ! - هذا دليل بأن كثير من الباعة في المكاتب لا يملكون المعرفة الكافية - .. سألته من الكاتب .. فقال : محمد أحمد الراشد - وكانت المرة الأولى التي أسمع بها عن الراشد - .. ترددت قليلا ثم توكلت على الله وطلبت من أختي أن تشتري لي الكتاب …
اليوم عندما أتذكر هذه القصة وأضحك على سذاجتي وجهلي في ذلك الوقت.. أشكر الله كثيراً أن ساق لي هذا الكتاب.. بالنسبة لي كان هدية ربانية ..كأخ صالح يرشدني وينصحني .. ويأنس وحشتي..
“فمن أجل التنبيه على جمال النفس المؤمنة والحث على الاقتداء بسمتها: جاء هذا الكتاب” هكذا يصف الراشد هذا الكتاب في المقدمة.. وهو كذلك يقول ” وفي مثل هذا الكتاب مواعظ، وإخبات، وزيادة يقين …”
في هذا الكتاب رقائق ودميعات ودعوات متصلة ببعضها باقتباسات مضيئة من السنة المطهرة وسير السلف وبعض من تأملات المصلحين والمفكرين…
أتعبني الكتاب بمحاولة كتابة شيء عنه أو حتى بنقل مقتطفات منه… فليس هو بالكتاب الذي يقرأه من يبحث عن القراءة فقط.. أو من يبحث عن المتعة والفائدة فقط… بل هو كتاب داعية يبحث عن من يذكره .. يعظه.. ويأنس غربته… فمهما نقلت هنا من فوائد.. فالفائدة تكمن في الهداية لمثل هذا الكتاب في وقت أحوج ما يكون الداعية إليه..
فاستمع لبعض هذه الرقائق.. واجعلها محفزاً لنفسك المتلهفة لكل خير بأن يكون نصيبك من الفائدة اعظمها….
فأنت أيها الداعية ما بين ترهيب ينذرك النبي صلي الله عليه وسلم فيه حبوط العمل وترغيب يشوقك فيه إلى قصور الجنة ورؤية الله فيها، فأجب، وإنه لثمن يغري ويطمع، ويحرص عليه قبل الكساد، وكن عند حسن ظن الفضيل ابن عياض فانه تحدى وقال: (ما حليت الجنة لأمة ما حليت لهذه الأمة، ثم لا ترى لها عاشقاً)، عاشقاً يخرج من أجلها في البردين(أي صلاة الفجر والعشاء)، وقل له: إني أنا العاشق
فطول الحياة نسبي..
وهو طويل جداً، مخيف مظلم للجاهلي
وهو قصير، هين منير للمصلي
وحياة الجاهلي ركود مستمر
وحياة المصلي حركة، تزيد صواباً، أو تستدرك اعوجاجاً.
وانها (الله أكبر) تنهي هذا الركود، وتؤسس الحركة. (الله أكبر) !
وينقل عن الشيخ عبدالوهاب عزام رحمه الله:
ان في النفوس ركوناً إلى اللذيذ والهين، ونفوراً عن المكروه الشاق، فارفع نفسك ما استطعت إلى النافع الشاق، ورضها وسسها على المكروه الأحسن، حتى تألف جلائل الأمور وتطمح إلى معاليها، وحتى تنفر عن كل دنية وتربأ عن كل صغيرة.
علمها التحليق: تكره الاسفاف
عرفها العز: تنفر من الذل
وأذقها اللذات الروحية العظيمة: تحقر اللذات الحسية الصغيرة
ان الداعية المسلم لا يملك نفسه حتى يسوغ له ان يمنح نفسه إجازة - وإنما هو - كما شبهه بعض الأفاضل-: (وقف لله تعالى)
تماما كنسخة من كتاب نافع حين توقف لله تعالى وتوضع في مسجد من مساجد الله، فكل داعية موقوف لله، في جزء من اجزاء دعوة الله.
أعود لكتاب الرقائق للبخاري لادعوكم للاستماع الى شرح أحاديث الكتاب للشيخ صالح المغامسي.. ففيه رقائق ومواعظ وعلم نافع بإذن الله..
http://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=lecview&sid=1203&read=0&lg=921
اللهم نسألك علما نافغا وقلبا خاشعا وعملا متقبلا..